ابن حزم

236

رسائل ابن حزم الأندلسي

حدثني أبو الوليد أحمد بن محمد بن إسحاق الخازن ( 1 ) رحمه الله من رجل جليل ، أنه حدث عن نفسه بمثل هذا : 5 - ومن القنوع أن يرتاع المحب ، إلى أن يرى من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى من بلاده ، وهذا كثير ؛ وفي ذلك أقول : [ من الطويل ] . توحش من سكانه فكأنهم . . . مساكن عاد أعقبته ثمود ومما يدخل في هذا الباب أبيات لي ، موجبها أني تنزهت أنا وجماعة من إخواني من أهل الأدب والشرف إلى بستان لرجل من أصحابنا ، فجلنا ساعة ثم أفضى بنا القعود إلى مكان دونه يتمى ، فتمددنا في رياض أريضة ، وأرض عريضة ، للبصر فيها منفسح ، وللنفس لديها منسرح ، بين جداول تطرد كأباريق اللجين ، وأطيار تغرد بألحان تزري بما أبدعه معبد والغريض ( 2 ) ، وثمار مهدلة قد ذللت للأيدي ودنت ( 3 ) للمتناول ، وظلال مظلة تلاحظنا الشمس من بينها فتتصور بين أيدينا كرقاع الشطرنج والثياب المدبجة ، وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة ، وانهار متدفقة تنساب كبطون الحيات لها خرير يقوم ويهدأ ، ونواوير مؤنقة مختلفة الألوان تصفقها الرياح الطيبة النسيم ، وهواء سجسج ، وأخلاق جلاس تفوق كل هذا ، في يوم ربيعي ذي شمس ظليلة ، تارة يغطيها الغيم الرقيق والمزن اللطيف ، وتارة تتجلى فهي كالعذراء الخفرة الخجلة تتراءى لعاشقها من بين الأستار ثم تغيب فيها حذر عين مراقبة . وكان بعضنا مطرقا كأنه يحادث الثرى ( 4 ) ، وذلك لسر

--> ( 1 ) ذهب بعض المعلقين إلى أن أبا الوليد أحمد بن محمد بن إسحاق الخازن هو والد محمد بن إسحاق الوزير الإسحاقي الذي مر التعريف به ( ص : 112 ) وهذا أمر لا يمكن القطع به دون أن تسنده المصادر . ( 2 ) معبد والغريض من مشاهير المغنين في العصر الأموي ( انظر الأغاني 1 : 47 ؛ 2 : 318 ) . ( 3 ) برشيه : وتدلت . ( 4 ) بتروف : أخرى .